إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
يُذكر السبب الأول للعقوبة: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة الحاقة، أن هذا تعليل لما تقدم من الأمر بعقوبته؛ والمعنى: إن هذا الذي أُمر بأخذه وغلّه وإصلائه كان في الدنيا لا يصدّق بالله ولا يقرّ بوحدانيته. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا بيان لسبب استحقاقه العذاب، وأنه الكفر بالله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين، أن وصفه سبحانه بـ {الْعَظِيمِ} في هذا الموضع فيه تشنيع بالغ على من كفر به؛ إذ كفر بمن هذا شأنه في العظمة. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن الله ذكر سببين: فساداً في حق الله وهو ترك الإيمان، وفساداً في حق الخلق وهو ترك الحضّ على الإطعام؛ وأن هذين الأصلين تدور عليهما حقوق الدين كلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التعليل بعد الأمر بالعقوبة لا قبله؛ وهذا من إحكام النظم، إذ يقع الحكم في النفس أولاً بهيبته ثم يأتي السبب فيقرّ العدل ويرفع الاستشكال. ومن دقة النظم أن هذا التعليل يقابل ما ذُكر في الفريق الأول {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}؛ فذاك عُلّل فوزه بيقينه، وهذا عُلّل خسرانه بجحوده. فمدار المصيرين على أصل واحد. ثم عُطف على هذا التعليل تعليل ثانٍ في الآية بعدها؛ فصار للعقوبة سببان: أحدهما في حق الخالق والآخر في حق المخلوق، وهذا التقسيم يستوعب حقوق الدين كلها.