وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ
ثم نفي التهمة الثانية: {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والأربعين من سورة الحاقة، أن «الكاهن» من يدّعي علم الغيب ويخبر عمّا سيكون بضرب من التخرّص، وكان في العرب من يتعاطى ذلك؛ والمعنى: وما هو بقول كاهن كما تزعمون. وأن {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} توبيخ لهم على ترك التأمل والاعتبار. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله نزّه كتابه عن أن يكون من جنس ما يقوله الكهان. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية والأربعين، أن كلام الكهان مبني على السجع المتكلف والتخرّص، وأن القرآن مباين لذلك في نظمه ومقاصده وأثره. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث عائشة رضي الله عنها أن ناساً سألوا النبي ﷺ عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء»، وذكر أن الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرّها في أذن وليّه فيخلطون معها مائة كذبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معطوفة على أختها لتستوفي نفي التهم؛ فبعد نفي الشعر نُفيت الكهانة. ومن دقة النظم أن التهمتين نُفيتا بعد إثبات الأصل الصحيح، ثم أُتبعتا بالإثبات المفصل في الآية بعدهما. وهذا الترتيب يجعل النفي محصوراً بين إثباتين، فلا يبقى في النفس فراغ. ومن لطائف السياق أن رواية إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه — كما أخرجها الإمام أحمد في "المسند" — تكشف عن أن هاتين الآيتين نزلتا مطابقتين لما يجول في صدور المخالفين؛ فقد خطر له أنه شاعر فتُلي عليه نفي الشعر، ثم خطر له أنه كاهن فتُلي عليه نفي الكهانة.