إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
يأتي جواب القسم مقرراً حقيقة القرآن: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأربعين من سورة الحاقة، أن المعنى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم على ربه، أي تلاوته وتبليغه؛ فليس هو من اختراعه ولا من إنشائه، وإنما هو مبلِّغ عن الله. وأن أكثر أهل التأويل على أن المراد بالرسول هنا محمد ﷺ؛ لأن السياق في الردّ على من رماه بالشعر والكهانة، وهم إنما رموا محمداً ﷺ لا جبريل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن نسبة القول إلى الرسول نسبة تبليغ لا نسبة إنشاء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الأربعين، أن «الكريم» وصف يجمع شرف النسب وطيب الخلق وعلوّ المنزلة عند الله. وأخرج الإمام أحمد في "المسند" من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة إسلامه أنه سمع النبي ﷺ يقرأ سورة الحاقة، فجعل يعجب من تأليف القرآن، فقال في نفسه: هذا شاعر، فقرأ ﷺ {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ}، فقال: كاهن، فقرأ {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ}، حتى ختم السورة، فوقع الإسلام في قلبه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد بسط المقسم به، فوقع موقعه من النفس. ومن إحكام النظم أن الآية أثبتت الجهة الصحيحة لنسبة القرآن قبل أن تنفي الجهات الباطلة؛ فأثبتت أنه قول مبلِّغ عن الله، ثم نفت الشعر في الآية بعدها والكهانة في التي تليها، ثم عادت فأثبتت المصدر صراحة {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. فالبناء: إثبات مجمل، فنفيان، فإثبات مفصل. وهذا الترتيب أحكم من الاقتصار على النفي؛ لأن النفي وحده لا يقيم بديلاً، والنفس لا تترك دعوى إلا بدعوى أرجح منها.