وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
ينتقل السياق إلى بيان أثر القرآن في القلوب: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والأربعين من سورة الحاقة، أن الضمير عائد على القرآن؛ والمعنى: وإن هذا القرآن لعظة وتذكير للذين يتقون الله فيؤدون فرائضه ويجتنبون معاصيه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أن القرآن تذكرة يتذكر بها المتقون فينتفعون. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة والأربعين، وجه تخصيص المتقين بالذكر مع أن القرآن هدى للناس كافة: أنهم هم المنتفعون به دون غيرهم، فخُصّوا لأن الثمرة لهم. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن التقوى شرط الانتفاع؛ فالقرآن مبذول للجميع والانتفاع موقوف على من فيه قابلية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن استوفى السياق الاحتجاج على صدق القرآن، انتقل إلى بيان أثره في الناس. ومن إحكام النظم أن هذه الآية تلتقي بالآية الثانية عشرة من السورة في لفظ «تذكرة»؛ فما جُعل تذكرة هناك من أحداث النجاة، جُعل هنا تذكرة من الوحي المتلوّ. فتلاقى مطلع السورة ووسطها وآخرها في هذا المعنى. ثم إن الآيات الثلاث بعدها جاءت على نسق واحد مصدَّرة بـ {وَإِنَّ}؛ فحصل تواز في البناء يجمع بين أثر القرآن في المتقين، وحال المكذبين، وأثره في الكافرين، ثم تقرير حقيقته.