إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
ينتقل السياق نقلة تامة من مشاهد الإهلاك إلى مشهد الإنجاء: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الحاقة، أن «طغا الماء» أي كثر وارتفع وجاوز حدّه حتى علا كل شيء، وذلك في زمن الطوفان؛ وأن «الجارية» هي سفينة نوح عليه السلام، سميت بذلك لجريانها على وجه الماء. وذكر أن الخطاب بـ {حَمَلْنَاكُمْ} موجه إلى المخاطبين باعتبار آبائهم؛ إذ كانوا في أصلاب من حُمل في السفينة، فحملهم حملٌ لهم. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا امتنان من الله على الخلق بأن نجّى أصلهم في السفينة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية عشرة، أن في الآية تنبيهاً على أن جميع من على الأرض من نسل من حُملوا في تلك السفينة. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن ذكر النجاة بعد ذكر الهلاك ليجمع للعبد بين الخوف والرجاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع الفاصل بين مشاهد الإهلاك ومشاهد القيامة؛ فقد انتهى قبلها سرد المصارع، ويبدأ بعدها من الآية الثالثة عشرة مشهد النفخ في الصور. فجاءت آيتا النجاة والتذكرة بينهما كالاستراحة التي تنقل السامع من روع إلى رجاء ثم إلى روع أكبر. ومن دقة النظم أن الطغيان الذي ذُكر في عقوبة ثمود {بِالطَّاغِيَةِ} تكرر هنا في وصف الماء {طَغَا الْمَاءُ}؛ فتلاقى اللفظان في مادة واحدة مع اختلاف الجهة: هناك طغيان أداة العقوبة، وهنا طغيان الماء الذي كان سبب النجاة لقوم والهلاك لآخرين.