وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
يُختم التقرير بأرفع مراتب العلم: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والخمسين من سورة الحاقة، أن المعنى: وإن هذا القرآن لهو اليقين الحق الذي لا شك فيه ولا مرية؛ وأن الإضافة من إضافة الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظين، كما يقال «مسجد الجامع» و«حبّ الحصيد». ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أنه الحق الذي لا ريب فيه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والخمسين، أن أهل العلم ذكروا للعلم مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ وأن أعلاها الثالثة، فأولها ما عُلم بالخبر، وثانيها ما شوهد بالعيان، وثالثها ما بوشر وذيق. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن الإضافة بيانية تفيد أن هذا الخبر بلغ من الثبوت أقصى ما يبلغه خبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة سلسلة {وَإِنَّ} الثلاثية، وهي حاسمة المقطع كله. ومن إحكام النظم أنها جاءت بعد ذكر أثره في الفريقين؛ فبعد أن بيّن أنه تذكرة لقوم وحسرة على آخرين، قرر أنه في نفسه حق لا يتغير باختلاف المواقف منه. وهذا ترتيب دقيق: إذ قد يتوهم من اختلاف الأثر اختلاف في الحقيقة، فجاء هذا التقرير ليقطع ذلك. ثم إن هذه الآية تلتقي بمطلع السورة التقاءً بديعاً؛ فقد افتُتحت السورة بـ {الْحَاقَّةُ} وهي من مادة الحق، وخُتم التقرير بـ {لَحَقُّ الْيَقِينِ}؛ فبدأت السورة بالحق وانتهت إليه.