هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
ثم الركن الثاني من أركان اغتراره: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين من سورة الحاقة، أن أهل التأويل اختلفوا في «السلطان» هنا: فقيل هو الحجة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ والمعنى: ذهبت عني حجتي التي كنت أجادل بها فلم تنفعني. وقيل: هو الملك والتسلط والمنعة؛ أي ذهب عني ملكي وعزّي وجنودي. ورجّح الطبري أن اللفظ يحتمل المعنيين وأن العرب تسمي الحجة سلطاناً كما تسمي الملك سلطاناً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن معناه: ذهبت عني حجتي وزال عني ملكي وجاهي. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين، وجه تسمية الحجة سلطاناً: لأنها تتسلط على الخصم وتقهره، من «السليط» وهو ما يُستضاء به لأنها تُنير الحق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكمل هذه الآية إقراره على نفسه؛ فبعد ذهاب المال ذهب السلطان، فلم يبق له ما يعتصم به. ومن إحكام النظم أن الآيتين جاءتا في صيغة الخبر لا في صيغة التمني؛ فقد انتقل من التمني الذي لا يُجدي إلى الإقرار الذي لا مفرّ منه، وهذا تدرج نفسي دقيق. ثم إن ذكر هلاك السلطان يمهّد مباشرة للأمر بالأخذ في الآية بعدها {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ}؛ إذ لا يُؤخذ بهذه الصورة إلا من زالت عنه المنعة. فالنظم يهيّئ للحدث قبل وقوعه.