وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
يأتي أشدّ ما في السورة من التوثيق بصيغة الفرض المحال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والأربعين من سورة الحاقة، أن «التقوّل» تكلّف القول واختلاقه؛ يقال: تقوّل عليه إذا قال عنه ما لم يقله. والمعنى: ولو اختلق محمد ﷺ علينا شيئاً من الأقوال ونسبه إلينا ولم نقله. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا فرض لا يقع منه ﷺ، وإنما سيق لبيان أن أمانة التبليغ محفوظة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة والأربعين، أن «الأقاويل» جمع «أقوال» التي هي جمع «قول»؛ فهو جمع الجمع، وفيه معنى التحقير لما يُختلق ويُتكلّف. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن هذا من أعظم الأدلة على صدقه ﷺ؛ إذ لو كان متقوّلاً لما أمهله الله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد تقرير أن القرآن تنزيل من رب العالمين؛ فبعد إثبات المصدر جاء ما يحرس هذا الإثبات من كل احتمال. وهي فعل شرط تعلّق جوابه بالآيتين بعدها {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}؛ فامتد التركيب الشرطي على ثلاث آيات ثم أُتبع بآية رابعة تنفي كل مانع {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}. وهذا الامتداد في التركيب الواحد يعظّم شأن المعنى ويجعل السامع معلّقاً حتى يبلغ منتهاه. وموقع هذا كله من السورة أنه ذروة الاحتجاج على صدق النبوة.