الْحَاقَّةُ
الْحَاقَّةُ
افتُتحت السورة بلفظة مفردة مجردة تُلقى على السمع فتقرعه قبل أن يعرف السامع مرادها: {الْحَاقَّةُ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الحاقة، أن «الحاقّة» من أسماء يوم القيامة، وأنها سميت بذلك لأنها تَحِقُّ فيها الأمور، أي تجب وتلزم فتصير حقاً واقعاً لا مدفع له؛ وروى نحو هذا عن قتادة وغيره من أهل التأويل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة الحاقة، على أن الحاقّة اسم من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد وتظهر حقائق الأعمال. وبسط القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الأولى، وجوه اشتقاقها فذكر: أنها من «حقَّ الشيء يَحِقُّ» إذا وجب ولزم، وأنها تُحِقّ على كل مكذب تكذيبه فتُظهر بطلانه، وأنها تُحاقّ الخصوم فتغلبهم؛ فمن حاقّها غلبته وأدحضت دعواه. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن سميت الحاقّة لأن الأمور تصير فيها إلى الحق. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الحاقة، إلى أن الافتتاح بالاسم مجرداً عن كل ما يعلّقه بغيره ضرب من التهويل؛ إذ يُلقى اللفظ فيبقى السامع معلّقاً منتظراً ما يُسند إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الافتتاح متصلاً بخاتمة سورة القلم اتصال التفصيل بالإجمال؛ فقد ختمت القلم بحكاية رمي المشركين للنبي ﷺ بالجنون وتقرير أن ما جاء به {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، فجاءت الحاقة تبدأ من الغاية التي أنكروها وهي يوم الجزاء، لتقرر أن هذا الذي استهزؤوا به هو «الحاقّة» التي لا مهرب منها. ثم إن الآية مقدمة لآيتين بعدها تسيران بالمعنى من التسمية إلى الاستفهام عن الحقيقة إلى قطع الطمع في الإحاطة؛ فالنظم يبني درجة فوق درجة. وهي كذلك تمهيد للمقطع التالي الذي يسوق مصارع المكذبين بها؛ إذ لا يليق بعد تعظيم اليوم إلا ذكر من كذّب به وما حلّ به.