فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ
يبدأ التفصيل بأهل السعادة: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من سورة الحاقة، أن {هَاؤُمُ} كلمة يقولها العرب عند مناولة الشيء، بمعنى «خذوا»؛ والميم علامة الجمع، والمعنى: خذوا اقرءوا كتابي. وذكر أن قائل ذلك هو المؤمن الذي يعطى كتابه بيمينه، يقوله فرحاً مسروراً يعرض كتابه على أهل الموقف من فرط سروره. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أنه يقول ذلك من شدة الفرح والابتهاج، لعلمه بما فيه من الخير. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة، أن الهاء في {كِتَابِيَهْ} هاء السكت أُدخلت للوقف، وأن الجمهور على إثباتها وقفاً ووصلاً اتباعاً لرسم المصحف، وقُرئ بحذفها في الوصل. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «من نوقش الحساب عُذّب»؛ وبيّن أن الذي يُؤتى كتابه بيمينه إنما يكون حسابه عرضاً يسيراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية أول شطري التفصيل الذي مهّد له العرض في الآية السابقة. ومن إحكام النظم أن بدأ بأصحاب اليمين؛ لأن السياق كله كان في التهويل والإنذار، فناسب أن يُفتح باب الرجاء قبل استئناف الوعيد، ليجتمع للسامع الخوف والرجاء. ثم إن أسلوب «أمّا... وأمّا» هنا هو نفسه الذي جرى في مصارع الأمم {فَأَمَّا ثَمُودُ... وَأَمَّا عَادٌ}؛ فتكرر البناء ليربط بين قسمة الدنيا وقسمة الآخرة. ومن لطائف النظم أن هذا الفريق يمتد الحديث عنه ست آيات كلها بشرى، ثم يبدأ الفريق الثاني بمثل مطلعه لفظاً ويختلف عنه غاية الاختلاف مآلاً.