مَا الْحَاقَّةُ
مَا الْحَاقَّةُ
بعد إلقاء الاسم يأتي الاستفهام الذي يزيده تفخيماً لا الذي يطلب تعريفه: {مَا الْحَاقَّةُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الحاقة، أن هذا استفهام مراد به تعظيم شأنها وتفخيم أمرها، لا استفهام مستفهم يجهلها؛ والمعنى: أيّ شيء الحاقّة في عظمها وهولها. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا تهويل لأمرها وتعظيم لشأنها. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية، أن العرب تستعمل هذا الأسلوب فيما تريد تعظيمه فتقول: «زيد ما زيد» أي بلغ من الوصف ما لا يحيط به بيان. وذكر الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، أن وضع الظاهر موضع المضمر — إذ لم يقل «ما هي» — تفخيم على تفخيم وتقرير للاسم في النفس. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل سورة الحاقة، أن هذا التكرار والاستفهام يفيد تعظيم اليوم وتخويف العباد منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي الخبر عن المبتدأ في الآية الأولى؛ فبينهما تلاحم إعرابي لا مجرد تجاور. وقد جاء الترتيب على ثلاث درجات صاعدة: تسمية في الأولى، فاستفهام تعظيم في الثانية، فقطع للإحاطة في الثالثة. ولو اكتُفي بالأولى لكان اسماً يمرّ على السمع، ولو اكتُفي بالثانية لبقي الطمع في إدراكها بالنظر؛ فجاءت الثالثة لتغلق باب الإدراك المستقل وتُبقي الطريق منحصراً في الخبر النبوي. وهذا التدرج يمهد للمقطع التالي الذي يسوق شواهد محسوسة من مصارع الأمم؛ إذ لما تعذّر إدراك كنهها عُدل إلى الاستدلال بما شاهدوه من آثار القدرة.