فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ
فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ
يُختم مشهد عاد باستفهام ينتزع الإقرار من المخاطب: {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الحاقة، أن المعنى: فهل ترى يا محمد لعاد من بقية باقية؟ والمراد نفي ذلك على أبلغ وجه؛ فإن الاستفهام إذا خرج إلى النفي كان أوكد من النفي الصريح لأنه يستدعي إقرار المخاطب. وذكر أن أهل التأويل اختلفوا في تقدير الموصوف المحذوف: فقيل «من نفس باقية»، وقيل «من بقية»، وقيل «من بقاء»؛ والمعاني متقاربة. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المراد: هل تحسّ منهم من أحد أو ترى لهم أثراً باقياً؟ ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة، أن «الباقية» مصدر على «فاعلة» كالعافية والعاقبة، فيكون المعنى: من بقاء. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن الله استأصلهم فلم يُبقِ منهم أحداً، ليكون ذلك آية للأمم بعدهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة مشهد عاد، وهي ثمرة ما قبلها؛ إذ لما صوّر السياق الأجساد الصرعى استنطق المخاطب عن النتيجة. ومن دقة النظم أنه لم يقل «فلم يبقَ منهم أحد» خبراً، بل حوّله إلى استفهام؛ لأن الإقرار المنتزع من المخاطب أثبت في نفسه من الخبر الملقى إليه. وموقعها من السورة أنها تُغلق ملف الأمتين المفصّلتين بأسلوب «أمّا»، لتبدأ الآية التاسعة بطائفة جديدة معطوفة بالواو: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ}. فحصل الفصل بين المقطعين بهذا الاستفهام الخاتم، وهو من علامات التقسيم في بناء السورة.