كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ
يُختم مشهد أهل اليمين بالإذن الكريم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة الحاقة، أن المعنى: يُقال لهم كلوا واشربوا أكلاً وشرباً هنيئاً لا تنغيص فيه، بسبب ما قدّمتم من الأعمال الصالحة في أيامكم التي مضت في الدنيا. وأن «أسلفتم» من الإسلاف وهو تقديم الشيء ليُستوفى بعد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الأعمال الصالحة سبب لنيل الرحمة وهي من فضل الله وتوفيقه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين، أن «الأيام الخالية» هي أيام الدنيا التي مضت وانقضت. وثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لن يُدخل أحداً عملُه الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»؛ وبه يُجمع بين النصوص كما يأتي بيانه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة مشهد أهل اليمين، وهي أطول آيات المشهد؛ وذلك مناسب لكونها الخاتمة الجامعة. ومن دقة النظم أنها ربطت الجزاء بالعمل صراحة {بِمَا أَسْلَفْتُمْ}؛ فبعد أن ذُكر يقينه في الآية العشرين ذُكر عمله هنا، فاجتمع للفريق الأول أصلان: يقين وعمل. وسيأتي في الفريق الثاني نفي الأصلين معاً: نفي الإيمان {لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ} ونفي العمل {وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}. فتمّ التقابل بين الفريقين في الأصل والفرع جميعاً، وهذا من إحكام بناء السورة.