فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ
ينتقل السياق إلى توثيق مصدر الخبر بالقسم: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين من سورة الحاقة، أن أهل التأويل والعربية اختلفوا في {لَا} هنا على أقوال: فقيل هي صلة زائدة للتوكيد والمعنى: فأقسم؛ وقيل: هي نافية لكلام المشركين المتقدم، أي ليس الأمر كما تزعمون ثم استأنف القسم؛ وقيل: هي ردّ لما قبلها من إنكارهم. وأن المقسم به هو المبصَرات كلها من الخلق. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا قسم من الله بمخلوقاته المشاهدة على صدق القرآن. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين، أن الجمع بين المبصَر وغير المبصَر استيعاب للموجودات كلها؛ فما من شيء إلا وهو داخل في أحد القسمين. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن القسم بالمخلوقات جائز في حق الله وممتنع في حق العباد؛ لأنه سبحانه يقسم بما شاء من خلقه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ينتقل النظم هنا نقلة كاملة: فبعد أن استوفى السياق عرض المصائر في الدنيا والآخرة، بقي أن يُوثَّق الخبر الذي بُنيت عليه هذه المشاهد. فجاء القسم مفتتحاً للمقطع السادس والأخير. ومن إحكام البناء أن هذا المقطع يعالج ما كانت قريش تردده في مجالسها من وصف القرآن؛ فناسب أن يُبدأ بالقسم لأنه أقوى ما يُواجه به المنكر. ثم إن ترتيب المقطع محكم: قسم، فمقسم عليه، فنفي الشعر والكهانة، فإثبات المصدر، ففرض التقوّل ودفعه، فتقرير حق اليقين، فالأمر بالتسبيح.