لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
تُبيّن الآية الغاية من إبقاء الحادثة وشرط الانتفاع بها: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الحاقة، أن الضمير في {لِنَجْعَلَهَا} يعود على السفينة أو على الفعلة التي فعلها الله بهم من الإنجاء والإغراق؛ والمعنى: لنجعل ذلك عبرة وموعظة تتذكرون بها. وأن {تَعِيَهَا} من «الوعي» وهو الحفظ والفهم؛ يقال: وعى الحديث إذا حفظه وعقله. وذكر عن قتادة أن معنى {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي أذن عقلت عن الله وانتفعت بما سمعت. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد: أذن سامعة واعية لأمر الله، وذكر عند هذا الموضع ما رُوي في دعاء النبي ﷺ لعليّ رضي الله عنه أن يجعل الله أذنه هي الواعية؛ وهو خبر أخرجه الإمام أحمد في "المسند" وأخرجه الترمذي، وقد تكلم فيه أهل العلم بالحديث. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن الانتفاع بالآيات موقوف على وجود القابل، وأن الآيات لا تنفع من لا وعي له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تعليل لما قبلها؛ فبعد ذكر الحمل في الجارية بُيّنت الغاية منه: أن تبقى الحادثة تذكرة. وهي كذلك مفصل بين مقطعين؛ إذ ينتهي بها سرد أحداث الدنيا وتبدأ بعدها مباشرة مشاهد الآخرة {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ}. ومن لطائف موقعها أن الشرط الذي وضعته — وجود الأذن الواعية — هو المفتاح لكل ما يأتي بعدها من مشاهد؛ فكأنه قيل: هذه المشاهد التي ستُعرض عليكم لن ينتفع بها إلا من كانت له أذن واعية. فالآية بمنزلة الشرط المتقدم على جواب ممتد إلى آخر السورة.