مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ
مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ
يُقرّ على نفسه بعجز أول ما اغترّ به: {مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة الحاقة، أن المعنى: ما دفع عني مالي شيئاً من عذاب الله، ولا نفعني فيما نزل بي. وذكر أن «ما» يجوز أن تكون نافية فيكون خبراً بنفي الغَناء، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ فيكون المعنى: أيّ شيء أغنى عني مالي؟ وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن معناه: لم يدفع عني مالي من عذاب الله شيئاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين، أن هذا من كلام الكافر يوم القيامة يتحسر على ما جمعه في الدنيا. وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد تمنيه الموت لتبين سبب انقطاع رجائه؛ فقد فتّش عمّا كان يعوّل عليه فوجده قد خذله. ومن دقة النظم أنه بدأ بالمال ثم ثنّى بالسلطان في الآية بعدها؛ وهما ركنا الاغترار في الدنيا: قوة المال وقوة الجاه. وهذا الترتيب مقابل لما ذُكر في الفريق الأول؛ إذ عُلّل فوزه بيقين وعمل، وعُلّل خسران هذا بمال وسلطان لم يغنيا. فالتقابل بين ما يَنفع وما لا ينفع قائم في بناء السورة. ثم إن ذكر ذهاب المال والسلطان تمهيد للأمر بالأخذ والغلّ؛ إذ لا مانع يمنع بعد ذهاب القوتين.