وَمَا لَا تُبْصِرُونَ
وَمَا لَا تُبْصِرُونَ
يُتمّ القسم باستيعاب الشقّ الثاني من الوجود: {وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين من سورة الحاقة، أن المعنى: وأقسم بما لا ترونه من خلقه؛ فدخل في ذلك ما غاب عن الأبصار من الملائكة والأرواح وسائر ما استأثر الله بعلمه. وأن الجمع بين القسمين استيعاب لجميع المخلوقات. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا قسم بجميع المخلوقات مشاهدها وغائبها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين، أن هذا من أوسع ما جاء في القرآن من صيغ القسم؛ إذ استوعب الوجود كله بقسميه. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن عظمة المقسم به تدل على عظمة المقسم عليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية متممة للقسم لا مستقلة عنه؛ فالقسم الواحد امتد على آيتين لتحصل الإحاطة. ومن دقة النظم أن جواب القسم تأخر إلى الآية بعدها {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}؛ فتأخير الجواب بعد بسط المقسم به يهيّئ النفس ويعظّم المقسم عليه. وهذا نظير ما جرى في مطلع السورة من الإبهام قبل البيان. ومن مناسبات هذا القسم للسورة أن السورة نفسها تحدثت عن مبصَرات كديار عاد وثمود، وعن غير مبصَرات كالملائكة وحملة العرش؛ فجاء القسم جامعاً لما بُسط في السورة من الصنفين.