قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ
يُبيّن يسر التناول في تلك الدار: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من سورة الحاقة، أن «القطوف» جمع «قِطف» وهو ما يُقطف من الثمر؛ و«دانية» أي قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع. وروى في هذا آثاراً عن السلف في وصف قرب ثمار الجنة من أهلها. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن معناه: ثمارها قريبة لا يُحتاج في تناولها إلى تعب ولا تكلّف. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين، ما نُقل عن البراء بن عازب رضي الله عنه في وصف دنوّ ثمار الجنة من المتناول، وأنه يتناولها على أي حال شاء. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن هذا من تمام النعمة؛ إذ النعيم الذي يُنال بمشقة ينقص لذته قدر ما فيه من الكلفة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية نعت ثانٍ للجنة، جاءت بالجملة الاسمية بعد النعت المفرد؛ والانتقال من النعت المفرد إلى الجملة يفيد التوسع في الوصف بعد الإجمال. وموقعها من النظم أنها تمهيد للإذن بالتناول في الآية بعدها {كُلُوا وَاشْرَبُوا}؛ فقد ذُكر قرب الثمر أولاً ثم أُذن بالأخذ منه، وهذا ترتيب طبيعي: تهيئة ثم إذن. ومن دقة السياق أنه لم يذكر تفاصيل الثمار وأنواعها كما في سور أخرى؛ لأن مقصود السورة التهويل والتقرير لا التفصيل في وصف النعيم، فاكتفى بما يقابل مشهد العذاب في الفريق الآخر.