كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
ينتقل السياق من تهويل اليوم إلى شاهد التاريخ على من كذّب به: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة الحاقة، أن «القارعة» من أسماء يوم القيامة أيضاً، سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع والأسماع بالهول؛ والمعنى: كذّبت هاتان الأمتان بالساعة التي تقرع الخلق بأهوالها. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن ثمود قوم صالح وعاداً قوم هود عليهما السلام، وأن تكذيبهم بالقارعة هو تكذيبهم بيوم القيامة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة، أن «ثمود» تُصرف وتُمنع من الصرف؛ فمن قصد الحيّ صرفها، ومن قصد القبيلة منعها؛ وقد رُسمت في المصحف هنا منونة على إرادة الحيّ. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن تقديم ثمود على عاد مع تأخرهم عنهم في الزمن جرى على مقتضى الفاصلة ومناسبة السياق، ولأن ديار ثمود بالحجر كانت أقرب إلى مشاهدة العرب وأشهر في أخبارهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الثاني، وهي جسر الانتقال من الغيب المهول إلى التاريخ المشهود. وموقعها من النظم بديع؛ إذ ذُكر لليوم اسم ثانٍ هو «القارعة» بعد «الحاقّة»، والاسمان متكاملان: الأول يقرر ثبوت وقوعه، والثاني يصف أثره في القلوب. ثم إن ذكر التكذيب مجملاً هنا مهّد للتفصيل بعده بأسلوب «أمّا»: {فَأَمَّا ثَمُودُ...} و{وَأَمَّا عَادٌ...}؛ فالإجمال ثم التفصيل من أوضح مسالك النظم في السورة. وفيه كذلك تعريض بمشركي مكة؛ إذ كذّبوا بمثل ما كذّب به أولئك، فلينظروا ما صار إليه المكذبون قبلهم.