ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
ثم الأمر الثالث وهو أشدّها: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والثلاثين من سورة الحاقة، أن «السلك» الإدخال والإنفاذ؛ يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها. وذكر أن أهل التأويل اختلفوا في مقدار الذراع المذكور، فمنهم من قال: هي أذرع الملائكة، ومنهم من وكل علمها إلى الله؛ ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما تعظيم أمرها. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الله أعلم بمقدار هذا الذراع، وأن المقصود تهويل أمر السلسلة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية والثلاثين، أن العدد قد يكون مراداً على حقيقته وقد يُراد به التكثير؛ وأن الأسلم في مثل هذا الوقوف عند ظاهر اللفظ وتفويض الكيفية والمقدار إلى الله. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن هذه الأوصاف سيقت لتحريك القلوب إلى التوبة قبل الوقوع فيما وُصف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة الأوامر الثلاثة، وقد جاءت أطولها؛ لأنها أشدّها فناسبها البسط. ومن دقة النظم أن الآيتين قبلها جاءتا قصيرتين متلاحقتين ثم جاءت هذه ممتدة؛ فالإيقاع نفسه يحاكي امتداد السلسلة وطولها. وبعد هذه الآية ينتقل السياق إلى التعليل {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}؛ فتقدم الأمر بالعقوبة على ذكر سببها. وهذا التقديم مقصود: إذ يُذكر الحكم أولاً ليقع في النفس موقعه، ثم يُذكر السبب فيزول كل استشكال ويتقرر العدل.