وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ
يُنفى أول ما رموه به: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والأربعين من سورة الحاقة، أن المعنى: وما هذا القرآن بقول شاعر كما تزعمون؛ لأن الشعر له وزن وقافية وأغراض معهودة، والقرآن خارج عن ذلك كله. وأن قوله {قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ} توبيخ لهم على قلة إيمانهم؛ و«القليل» في مثل هذا قد يُراد به النفي المحض على عادة العرب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا ردّ على من قال إنه شعر، وأن الله نزّه كتابه عن ذلك. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والأربعين، أن العرب كانوا أعلم الناس بالشعر وأساليبه، ومع ذلك عجزوا عن معارضة القرآن؛ فدعواهم أنه شعر مكابرة يكذّبها علمهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن نفي الشعر عن القرآن نفي لجنسه لا لبعض صفاته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد إثبات الجهة الصحيحة في الآية قبلها؛ فالترتيب: إثبات ثم نفي، وهو أحكم من العكس. ومن دقة النظم أن التهم التي رُمي بها النبي ﷺ نُفيت على ترتيب شيوعها في مجالسهم: الشعر أولاً لأنه أشهر ما كانوا يقولونه، ثم الكهانة. ثم إن كل نفي أُتبع بتوبيخ يناسبه: نفي الشعر أُتبع بـ {قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ}، ونفي الكهانة أُتبع بـ {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}؛ وهذا التغاير مقصود كما سيأتي. ثم بعد النفيين جاء الإثبات المفصّل {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}، فأُغلق باب الدعوى.