وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ
تأتي الدرجة الثالثة لتقطع الطمع في إدراك كنهها بالعقل المجرد: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الحاقة، أن المعنى: وما أعلمك يا محمد أيّ شيء الحاقّة؛ أي إنها من العظم بحيث لا يبلغه علمك إلا بما يُوحى إليك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا زيادة تعظيم وتفخيم لأمرها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة، قاعدة نُقلت عن السلف في التفريق بين صيغتين في القرآن: أن ما جاء بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعلمه الله إياه وبيّنه له بعده، وما جاء بلفظ {وَمَا يُدْرِيكَ} فلم يُعلمه إياه واستأثر بعلمه؛ وهي قاعدة يجري عليها الاستقراء في مواضع القرآن. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، إلى أن الخطاب وإن كان موجهاً إلى النبي ﷺ فالمقصود به تعظيم الأمر عند كل سامع؛ إذ إذا كان أعلم الخلق لا يبلغ كنهه بمجرد نظره فغيره أولى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّت بهذه الآية أضلاع التمهيد الثلاثة: اسمٌ، فاستفهام تعظيم، فقطع طمع في الإدراك المستقل. وموقعها من النظم أنها الجسر إلى ما بعدها؛ إذ لما تقرر أن العقل لا يبلغ كنهها بالنظر المجرد، لزم أن يُساق له من الشواهد المحسوسة ما يقرّب إليه صدق الخبر؛ فجاء بعدها {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ}. فالانتقال من الغيب المطلق إلى التاريخ المشهود انتقال محكم في بناء الحجة: أعجزهم عن إدراكها بعقولهم، ثم ساق لهم ما رأوا آثاره بأعينهم.