يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
تبلغ حسرة صاحب الشمال أن يتمنى الفناء المطلق: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة الحاقة، أن الضمير في {لَيْتَهَا} عائد على الموتة الأولى التي ماتها في الدنيا؛ والمعنى: يا ليت الموتة التي متّها كانت القاطعة لأمري فلم أُبعث بعدها ولم أُردّ إلى الحياة. وروى هذا المعنى عن جماعة من أهل التأويل. وذكر وجهاً آخر: أن الضمير عائد على الحال التي هو فيها، أي يا ليت هذه الحال كانت هي القاضية عليّ فأُرحت. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: يتمنى الموت وهو في العذاب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين، أن «القاضية» من القضاء بمعنى القطع والفصل والإتمام؛ يقال: قضى عليه إذا أماته لأن الموت قاطع للحياة. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن الكافر يتمنى الموت ولا يجده، وهذا من تمام عقوبته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية ثالثة تمنياته؛ فقد تمنى أولاً ألا يُؤتى الكتاب، ثم ألا يعلم الحساب، ثم أن تكون الموتة قاضية عليه. وهذا تدرج تصاعدي في اليأس: فرار من الشيء، ثم من علمه، ثم من الوجود كله. ومن دقة النظم أن مقابل هذا التمني في الفريق الأول كان اطمئناناً وسكوناً {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}؛ فبين رضا العيشة وتمني القضاء على الحياة غاية التقابل. ثم تنتقل الآيات بعدها إلى إقراره على نفسه بذهاب المال والسلطان، ثم يبدأ الأمر بالعقوبة؛ فترتب النظم: تمنٍّ، فإقرار، فتنفيذ.