وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
يتتابع المشهد فتُنتزع الأرض والجبال من مقارّها: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الحاقة، أن معنى {حُمِلَتِ} رُفعت من أماكنها بالقدرة، ومعنى {فَدُكَّتَا} كُسرتا وفُتّتتا وسُوّي بينهما؛ والدكّ الكسر والدقّ حتى يستوي الشيء بالأرض. وروى نحو ذلك عن جماعة من أهل التأويل. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: رُفعتا فضُربت إحداهما بالأخرى فاندكّتا وذهبتا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة، أن التثنية في {فَدُكَّتَا} باعتبار الأرض والجبال؛ فجُعل كل منهما جملة واحدة، ولم يقل «فدُكِكْن» مراعاة للجملتين لا للأفراد. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التعبير بالحمل يفيد أن الرفع كان بقوة قاهرة لا بزلزلة ذاتية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تعطف هذه الآية على ما قبلها لتصور الأثر المترتب على النفخة؛ فالنفخة سبب والدكّ مسبَّب، والفاء في {فَدُكَّتَا} تصوّر سرعة التعقيب. ومن إحكام النظم تكرار وصف الوحدة: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} ثم {دَكَّةً وَاحِدَةً}؛ فتقابل السبب والأثر في الوحدة، أي نفخة واحدة أثمرت دكّة واحدة. ثم جاءت الآية بعدها {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} لتكون كالنتيجة الجامعة لما سبق. فترتب النظم: سبب، فأثر في الأرض، فحكم عام على اليوم كله، ثم أثر في السماء، ثم مشهد الملائكة.