وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
ثم انقطاع الطعام إلا من أخبث ما يكون: {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والثلاثين من سورة الحاقة، أن أهل التأويل قالوا في «الغسلين»: إنه ما يسيل من صديد أهل النار وغسالة أبدانهم؛ من «الغَسل»، فهو ما انغسل عنهم. وروى هذا عن جماعة من السلف. وذكر قولاً آخر: أنه شجر يأكله أهل النار. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الغسلين ما يسيل من أهل النار من الصديد والقيح. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السادسة والثلاثين، أن اللفظ على وزن «فِعلين» كـ «سِجّين»، وأنه مما لا نظير له في كلام العرب إلا في القليل؛ وهذا مما يزيد اللفظ غرابة توافق غرابة المسمّى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية معطوفة على نفي الحميم، فاجتمع في حقه نفيان: نفي من ينفعه ونفي ما يقتات به. ومن دقة النظم أن ذكر الطعام هنا مقصود للمقابلة مع جرمه؛ فقد عُلّل عذابه بأنه {لَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}، فجاء الجزاء بحرمانه من الطعام إلا من هذا الجنس. فبين الجرم والجزاء تطابق في اللفظ والمعنى معاً. وهو كذلك مقابل لما ذُكر في الفريق الأول {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا}؛ فهناك أكل هنيء وهنا طعام من غسلين. ثم تأتي الآية بعدها لتحصر آكليه في صنف معيّن، فيتم بها المقطع.