إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ
إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ
يعلل صاحب اليمين سبب فوزه: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العشرين من سورة الحاقة، أن «الظن» هنا بمعنى اليقين؛ والمعنى: إني أيقنت في الدنيا أني ملاقٍ حسابي فعملت لذلك. وذكر أن العرب تستعمل الظن بمعنى اليقين إذا قامت القرينة، ومنه قول الله في وصف الخاشعين {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ}. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد: أيقنت أن الله محاسبي، فاستعددت لذلك بالعمل الصالح. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية العشرين، أن الظن يأتي في اللغة على وجهين: للشك وللعلم، ويُفرق بينهما بالقرائن؛ وأن حمله هنا على اليقين متعين، إذ الشك في الحساب ليس مما يُمدح به صاحبه. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن إيمانه بالحساب هو الذي حمله على العمل، فصار سبب فوزه في المآل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تعليلاً لما قبلها؛ فبعد أن هتف بكتابه فرحاً بيّن سبب هذا الفرح، وهو أنه كان في الدنيا موقناً بالحساب. ومن دقة النظم أن السبب المذكور هو نفسه الذي انتفى في الفريق الثاني؛ إذ عُلّل عذابه بقوله {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ}. فتقابل التعليلان: يقين بالحساب أثمر عملاً، وجحود أثمر تركاً. وهذا التقابل من أحكم ما في السورة من بناء؛ إذ يجعل مدار المصيرين على أصل واحد هو الإيمان باللقاء. ثم تفرعت على هذا التعليل خمس آيات في وصف الجزاء.