فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
بعد وصف الحال يُذكر المكان: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة الحاقة، أن «العالية» تحتمل معنيين: العلوّ الحسي في المكان، فهي مرتفعة في الدرجات؛ والعلوّ المعنوي في الشرف والقدر. وكلا المعنيين مراد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجنة عالية المنازل والغرف والقصور. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين، أن العلوّ صفة تجمع رفعة المكان ورفعة القدر، وأن أهلها يُرفعون فيها درجات. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف فوقهم كما يُتراءى الكوكب الدرّي في الأفق. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن علوّ الجنة يشمل علوّ المكان وعلوّ ما فيها من النعيم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية في سلسلة متدرجة من أوصاف الجزاء: عيشة راضية، فجنة عالية، فقطوف دانية، فإذن بالأكل والشرب. ومن لطائف النظم أن الآيات الثلاث المتتالية جاءت قصيرة متلاحقة، كل واحدة كلمتان أو ثلاث؛ وهذا الإيقاع السريع يناسب مقام البشرى، إذ الفرح يقتضي تتابع البشارات لا إطالة الوصف. ومن أدق ما في النظم هنا الجمع بين {عَالِيَةٍ} و{دَانِيَةٌ} في آيتين متجاورتين؛ فالجنة عالية والقطوف دانية، وهذا جمع بين وصفين متقابلين في الظاهر متكاملين في الحقيقة، وهو من عجيب التصوير.