ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
ثم الأمر الثاني: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والثلاثين من سورة الحاقة، أن معنى {صَلُّوهُ} أي أدخلوه الجحيم وأوردوه إياها ليصلى حرّها؛ من «صليَ النار» إذا قاسى حرّها. وأن «الجحيم» من أسماء النار، سميت بذلك لشدة تأججها؛ من «جحم النار» إذا أوقدها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: ثم اجعلوه يصلى الجحيم ويقاسي حرّها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والثلاثين، أن تقديم المفعول {الْجَحِيمَ} على عامله يفيد الاختصاص والاهتمام؛ أي الجحيم لا غيرها هي التي يُصلى بها. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن ترتيب العقوبات بـ «ثم» يفيد تنقّله من عقوبة إلى ما هو أشدّ منها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية ثانية الأوامر الثلاثة، وقد عُطفت بـ «ثم» لا بالفاء؛ وفي هذا العدول دقة: فالغلّ يعقب الأخذ بلا مهلة فناسبته الفاء، وأما الإصلاء فهو رتبة أعلى فناسبه «ثم» الدالة على التراخي في الرتبة. ومن دقة النظم أن الأوامر جاءت متدرجة في الشدة: أخذ، فتقييد، فإصلاء، فسلك في السلسلة؛ وكل واحدة أشدّ من سابقتها. وهذا التدرج مقابل لتدرج النعيم في الفريق الأول: عيشة، فجنة، فقطوف، فإذن بالتناول. فالبناء متوازٍ في السورة بين المشهدين.