تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
بعد النفي يأتي الإثبات الصريح للمصدر: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والأربعين من سورة الحاقة، أن المعنى: بل هو تنزيل نزّله رب العالمين على رسوله محمد ﷺ؛ فبيّن الجهة التي جاء منها بعد أن نفى ما نسبوه إليه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا تقرير لمصدر القرآن، وأنه منزّل من عند الله لا من عند غيره. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثالثة والأربعين، أن وصفه سبحانه بـ «رب العالمين» في هذا الموضع مناسب لعموم رسالة القرآن؛ فإنه لم ينزل لقوم دون قوم بل للعالمين كلهم. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن ذكر الربوبية العامة يفيد أن هذا الكتاب من تمام تربيته لخلقه؛ فكما ربّاهم بالنعم الحسية ربّاهم بالهدى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي المحور الذي دار عليه المقطع كله؛ فقد سيق القسم لأجلها، ونُفيت التهم تمهيداً لها. وموقعها من النظم موقع الحكم بعد المقدمات. ومن دقة السياق أن الآية جاءت مختصرة بعد آيتين مطوّلتين بالنفي والتقريع؛ فبعد الجدل يأتي الحسم بجملة قصيرة قاطعة. ومن مناسباتها للسورة أن ختام سورة القلم قبلها كان {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، فجاءت هذه الآية بلفظ «العالمين» أيضاً؛ فتلاقى ختام تلك السورة مع هذا الموضع في اللفظ والمعنى.