فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
تُذكر ثمرة اليقين والعمل: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة الحاقة، أن «العيشة» الحال التي يعيش عليها المرء، و«الراضية» بمعنى المرضية؛ أي عيشة يرضاها صاحبها ولا يبغي عنها حولاً. وذكر أن العرب تُخرج الفاعل بمعنى المفعول في مثل هذا؛ ومنه قولهم «ماء دافق» أي مدفوق. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: في عيشة مرضية يرضاها ويحبها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين، وجهاً آخر في إسناد الرضا إلى العيشة: أنه من النسب، أي ذات رضا، كما يقال «رجل لابن وتامر» أي ذو لبن وتمر؛ فتكون العيشة موصوفة بأنها صاحبة رضا لكثرة ما فيها منه. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن رضا العيشة يقتضي أنها جامعة لكل ما تشتهيه النفس من غير منغّص.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جزاءً مترتباً بالفاء على التعليل المذكور في الآية قبلها؛ فقد بيّن يقينه بالحساب، فترتب عليه هذا الجزاء. ومن دقة النظم أن الجزاء بدأ بوصف الحال {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} قبل ذكر المكان {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}؛ لأن طيب الحال مقدَّم في المقصود على شرف المكان، فقد يكون المرء في أرفع مكان وحاله منغّصة. ثم تتابعت الأوصاف على نسق واحد: حال، فمكان، فطعام، فإذن بالتناول؛ وهو ترتيب يبدأ من الأعم وينتهي إلى الأخص، ومن الوصف الباطن إلى المتعة الحسية.