وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ
يمتد التمني إلى الحساب نفسه: {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة الحاقة، أن المعنى: ويا ليتني لم أعلم ما حسابي؛ فهو معطوف على التمني السابق داخل في حكمه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنه تمنى أنه لم يعلم ما حسابه لما رأى فيه من السوء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين، أن الجملة معطوفة على {لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}، فهي في حيّز التمني؛ وأن هذا غاية في تصوير حاله، إذ صار العلم عنده مصيبة يتمنى الخلاص منها. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن العلم إنما يكون نعمة إذا سبقه عمل؛ فأما إذا جاء بعد فوات الأوان فهو حسرة محضة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكمل هذه الآية تمني الفريق الثاني؛ فقد تمنى أولاً ألا يُؤتى الكتاب، ثم تمنى ألا يعلم الحساب. والترتيب دقيق: الكتاب هو الوعاء، والحساب هو المضمون؛ فتمنى الخلاص من الوعاء ثم من المضمون. ومن أحكم ما في النظم أن هذه الآية تقابل الآية العشرين تقابلاً تاماً: هناك {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} وهنا {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}؛ فاتفقت الكلمة الأخيرة واختلف كل شيء قبلها. فذاك أيقن بالحساب في الدنيا فسُرّ به في الآخرة، وهذا جهله في الدنيا فتمنى جهله في الآخرة.