وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ
وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ
ثم السبب الثاني في حق الخلق: {وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين من سورة الحاقة، أن «الحضّ» الحثّ والترغيب والتحريض؛ والمعنى: ولا يحثّ أهله ولا غيره على إطعام المسكين. وذكر أن إضافة الطعام إلى المسكين إضافة تفيد استحقاقه له، أي الطعام الذي هو حقه. وقرر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الله ذكر فساد حاله في حق الخالق وفي حق المخلوق، فذكر الكفر أولاً ثم منع الإحسان. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين، لطيفة دقيقة: أنه لم يقل «ولا يطعم» بل قال «ولا يحضّ»؛ ليدخل في الذمّ من لا يجد ما يطعم ولا يحرّض غيره على الإطعام. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي ﷺ: أيّ الإسلام خير؟ قال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التعليل الثاني معطوفاً على الأول ليكتمل بيان سبب العقوبة؛ فالأول خلل في حق الله والثاني خلل في حق الخلق. وبهذين الأصلين تنتظم حقوق الدين كلها؛ فما من واجب إلا وهو راجع إلى أحدهما. ومن دقة النظم أن هذين الأصلين يقابلان ما ذُكر في الفريق الأول: يقين بالحساب وعمل صالح {بِمَا أَسْلَفْتُمْ}. فالمقابلة تامة بين الفريقين في الأصل والفرع. ثم تفرّع على هذين السببين ما بعدهما من انقطاع الحميم وانقطاع الطعام؛ فمن لم يبذل الطعام حُرم الطعام، ومن لم يصل الناس لم يجد وصولاً.