وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
تكشف الآية عن حقيقة ما يريده المكذبون: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ودّ هؤلاء المشركون لو تلين لهم في دينك فيلينون لك؛ وذكر عن أهل التأويل تفسير «الإدهان» باللين والمصانعة والمقاربة؛ وروى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية التاسعة، على أن المعنى: تمنّوا أن تداهنهم فيداهنوك، أي: تترك ما أنت عليه من إنكار باطلهم فيتركوا أذاك. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «المداهنة» موافقة على ما لا يجوز، وأنها غير «المداراة» التي هي حسن العشرة مع بقاء الدين. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة القلم، أن التعبير بـ{وَدُّوا} يفيد أن هذا رجاء متمكن في نفوسهم قائم على طمع، وأن اختيار صيغة المضارع في {تُدْهِنُ} و{فَيُدْهِنُونَ} يصوّر تبادلاً متجدداً؛ فكأنهم يعرضون معاوضة مستمرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بياناً لعلة النهي في الآية قبلها؛ فبعد {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} كشف عن سبب النهي: أنهم لا يريدون هدى وإنما يريدون مقايضة. ثم يأتي بعدها النهي المفصّل عن طاعة صنف معيّن: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}؛ فانتقل الخطاب من النهي العام عن طاعة المكذبين إلى النهي الخاص عن طاعة رأس فيهم موصوف بتسع صفات. فالنظم: نهي مجمل، فبيان للدافع، فتفصيل للموصوف.