بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ
بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ
هذه تتمة الوعيد وبيان متعلق الإبصار: {بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى {الْمَفْتُونُ} على أوجه: فقيل: المجنون؛ لأن الفتون في العقل جنون؛ وقيل: المفتون هنا بمعنى الفتنة، فتكون الباء زائدة والمعنى: أيّكم الفتنة؛ وقيل: الباء بمعنى «في»، أي: في أيّكم المفتون. ورجّح أن المراد: بأيّ الفريقين المجنون، أبكم أم بالمؤمنين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السادسة من السورة، على أن المعنى: أيّكم المجنون، أنت أم هم؛ وأن هذا كقول موسى عليه السلام لفرعون حين رماه بالضلال. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «المفتون» مصدر جاء على وزن اسم المفعول كالمعقول والميسور والمجلود؛ فيكون المعنى: بأيّكم الفتنة والجنون. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة من سورة القلم، أن صيغة الاستفهام هنا أبلغ من التصريح بأنهم المجانين؛ لأنها تدعو الخصم إلى النظر والمقارنة بنفسه، فيكون الحكم صادراً عن اقتناعه لا عن إلزام خارجي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مكمّلة للتي قبلها؛ فبينهما تلازم لا يتم المعنى إلا به. وهي تُغلق مقطع الرد المباشر على التهمة، ليأتي بعدها التأصيل: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. وفي النظم لطيفة: أن التهمة وُجّهت إلى النبي ﷺ وحده بلفظ الإفراد ({مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ})، فلما جاء الجواب جُعل السؤال عاماً بلفظ {أَييِّكُمُ}؛ فرُدّ الاتهام المفرد باستفهام يشمل الفريقين؛ وهذا أعدل في صورة المحاجّة وأشد في الإلزام.