فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
مشهد المعاينة والصدمة: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فلما رأوا جنتهم محترقة سوداء قالوا: إنا لضالون عن موضعها، أخطأنا الطريق؛ ثم لما تبينوا أنها جنتهم قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}. ونقل عن أهل التأويل قولاً آخر: أن المعنى إنا لضالون عن الحق فيما فعلنا. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين، على أن المشهور أنهم ظنوا في أول الأمر أنهم أخطأوا الطريق لشدة تغيّر منظرها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا من شدة المفاجأة؛ إذ لم يصدقوا أن ما يرونه هو حديقتهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة القلم، إلى أن انتقالهم في الآية التالية من {لَضَالُّونَ} إلى {مَحْرُومُونَ} يصوّر مرحلتين نفسيتين: إنكار أول، ثم تسليم بالواقع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية ذروة المشهد القصصي؛ فقد تدرج البناء من العزم إلى الغفلة إلى القضاء إلى السعي إلى الوصول؛ ثم انفجرت المفارقة هنا. وهي خاتمة القسم الأول من ملف الأجزاء، ويتصل بها مباشرة ما بعدها: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}؛ فالجملتان مشهد واحد في لحظتين. ويتصل هذا كذلك بمقصد السورة؛ إذ سيقال لأهل مكة: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}؛ فما جرى لأصحاب الجنة نذير بما يجري لكل من عزم على منع الحق.