أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
آخر المسالك: نفي علم الغيب عنهم: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أم عندهم علم ما غاب عنهم من علم الغيب فهم يكتبون منه ما يحكمون به؟ وذكر أن هذا إبطال لدعواهم؛ إذ ليس عندهم شيء من ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السابعة والأربعين، على أن المعنى: أعندهم علم الغيب حتى يكتبوه للناس ويحكموا به؟ وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الكتابة هنا كناية عن التوثيق والاحتجاج؛ إذ المكتوب ما يُعتمد عليه. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن هذه الآية تسدّ آخر باب؛ إذ لو كان عندهم علم من الغيب لكان لهم بعض العذر؛ فلما انتفى تعيّن أنهم متقولون بلا علم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تُختم بهذه الآية سلسلة المحاجّة كلها. وقد بلغت المسالك ستة: كتاب، فأيمان، فزعيم، فشركاء، فأجر، فعلم غيب؛ فلما سُدّت جميعاً لم يبق إلا الأمر بالصبر؛ فجاء بعدها مباشرة: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}. وهذا الانتقال من المحاجّة إلى الصبر بالغ الدقة؛ إذ إن استنفاد الحجج مع بقاء الإعراض يقتضي التسليم لحكم الله لا الاستمرار في الجدل. وفي هذه الآية صلة بمطلع السورة أيضاً؛ إذ افتُتحت بالقسم بـ{الْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، وخُتمت المحاجّة بنفي أن يكون عندهم ما يكتبونه؛ فالكتابة الحق عند الله وعند من أوحى إليه، لا عند من يتخرّص.