أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
مطالبة أولى بالسند: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أم لكم كتاب من عند الله تقرؤون فيه وتدرسون أن لكم ما تدّعون من التسوية أو التفضيل؟ وذكر أن {أَمْ} هنا منقطعة بمعنى «بل» والهمزة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السابعة والثلاثين، على أن هذا إلزام لهم بأن دعواهم لا مستند لها من كتاب منزّل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الدرس» تكرار القراءة حتى يحفظ؛ فالمعنى: كتاب تتدارسونه وتتعلمون منه هذا الحكم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة والثلاثين من سورة القلم، إلى أن هذا أول مسالك الاستدلال التي تُعرض عليهم؛ إذ الدعوى في الغيبيات لا تُقبل إلا بخبر من الله؛ فبدأ بالكتاب لأنه أعلى المصادر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا أول أبواب المطالبة بالدليل بعد إنكار الدعوى والمنهج. وستأتي بعده الأبواب الأخرى تباعاً: العهود المؤكدة {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}، ثم الشركاء {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}، ثم انتفاء المقابل المادي {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}، ثم علم الغيب {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}. فالنظم يستقصي المصادر الممكنة للدعوى واحداً بعد واحد. ويتصل هذا بمطلع السورة اتصالاً بديعاً؛ إذ أُقسم هناك بـ{الْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}؛ فالسؤال هنا: أين كتابكم المسطور الذي تستندون إليه؟ فالسورة التي افتُتحت بتشريف الكتابة تُطالب خصومها بكتاب فلا يجدونه.