فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ
أمر بالصبر مع تحذير من العجلة: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فاصبر يا محمد لقضاء ربك فيهم وحكمه، ولا تكن كيونس بن متى صاحب الحوت في العجلة والضجر؛ إذ نادى ربه وهو مملوء غيظاً وكرباً. وذكر أن {مَكْظُومٌ} أي مملوء غمّاً محبوس عليه؛ من الكظم وهو مجرى النفس. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثامنة والأربعين، على أن صاحب الحوت هو يونس عليه السلام، وأن الله نهى نبيه ﷺ أن يكون مثله في تلك الحال الخاصة لا في أصل مقامه. وقد ثبت في السنة تعظيم شأنه؛ روى البخاري في "صحيحه" في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في "صحيحه" في كتاب الفضائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن ما ورد في تفصيل قصته من الأخبار الطويلة أكثره من نقل أهل الكتاب، والمعوّل على ما جاء في القرآن والسنة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والأربعين من سورة القلم، إلى أن التعبير بـ{كَصَاحِبِ الْحُوتِ} دون التسمية فيه لطف؛ إذ ذُكر بالوصف العارض لا بالاسم، تنزيهاً لمقام النبوة عن أن يُقرن الاسم الشريف بموضع النهي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء مفرّعة على استنفاد المحاجّة؛ فلما لم يبق للخصم متمسك، تعيّن الصبر لحكم الله. وهذه الآية مفتتح خاتمة السورة؛ إذ تليها آيتان في تمام قصة صاحب الحوت: {لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} و{فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}، ثم خاتمة السورة في الآيتين الأخيرتين. ويتصل الأمر بالصبر هنا بمطلع السورة اتصالاً محكماً؛ فقد بدأت بتثبيته ﷺ ونفي التهمة عنه، وختمت بأمره بالصبر؛ فالتثبيت أولاً والتكليف آخراً.