فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
ينتقل الخطاب من الشهادة إلى الوعيد بالانكشاف: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فستبصر يا محمد ويبصر هؤلاء المشركون الذين يكذبونك، أيّكم المفتون المجنون إذا انكشف الغطاء وجاء أمر الله. وذكر أن العرب تقول: «سأبصر وتبصر» في موضع التهديد والوعيد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، على أن هذا كقوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ}؛ فالانكشاف آتٍ لا محالة. وبيّن الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير الآية، أن الإبصار هنا مستعمل في العلم اليقيني الذي يشبه المشاهدة، وأن الوعد به على سبيل التهديد أشد وقعاً من التصريح بالعقوبة. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل السورة، أن في الآية طمأنة للنبي ﷺ بأن الأيام كفيلة بكشف الحقائق؛ فليس عليه أن يستعجل الجواب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء عاطفة على ما تقدم من نفي الجنون وإثبات الخلق العظيم؛ فكأن المعنى: إذا كان هذا حالك وذاك حالهم، فسيأتي يوم يتبين فيه للجميع أين الحق. وهذه الآية موصولة بما بعدها وصل الجملة بتتمتها: {بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ}؛ فهي مقدمة الاستفهام لا كلام تام بنفسه. ثم يتلوها التعليل الجامع: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}؛ فالنظم ينتقل من الوعيد بالكشف إلى إحالة الأمر إلى علم الله؛ وهو انتقال من التهديد إلى التأصيل.