ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
تفتتح السورة بحرف مقطَّع ثم بقسم جليل: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة القلم، أقوال أهل التأويل في {ن}؛ فمنهم من قال: هو الحوت الذي عليه الأرضون، ومنهم من قال: هو الدواة، ومنهم من قال: هو لوح من نور، ومنهم من قال: هو حرف من حروف الهجاء افتُتحت به السورة كما افتُتحت سور بـ{الم} و{ص} و{ق}. وأشار إلى أن الأخبار المرفوعة في تعيينه لا يقوم بها الحكم، وأن أسلم المسالك الوقوف عند اللفظ وردّ العلم إلى الله. ونقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة القلم، هذه الأقوال ونبّه إلى أن المرفوع منها في الحوت والدواة لا يصح إسناده، ورجّح ما ذهب إليه المحققون من أن الحروف المقطعة في أوائل السور من جنس واحد، وأن المقصود بها التنبيه على إعجاز القرآن بأنه مركّب من حروف يعرفها العرب. وقرر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير أول السورة، أن القسم بـ{وَالْقَلَمِ} قسم بآلة الكتابة، واختُلف: أهو القلم الذي كتب به القدر في اللوح المحفوظ، أم هو جنس الأقلام التي يكتب بها الناس؟ والقولان محتملان واللفظ يسعهما. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة القلم، أن اختيار القسم بالقلم والمسطور في مطلع سورة موضوعها الدفاع عن النبي ﷺ مناسبة بديعة؛ لأن التهمة الموجهة إليه تتعلق بالعقل، والقلم أثر العقل وأداة حفظه. وثبت في الحديث الصحيح ما يشهد لجلالة القلم؛ روى أبو داود في "سننه" في كتاب السنة، والترمذي في "جامعه" في أبواب القدر، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ربّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جواب القسم هو الآية التالية: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}؛ فالنظم يجري على أن يُقدَّم المقسَم به الدال على العلم والبيان، ثم يُذكر المقسَم عليه وهو نفي ضدّ العقل. وفي هذا الترتيب حجّة مضمّنة في صورة قسم؛ إذ المقسم به شاهد على المقسم عليه، فالذي شرّف القلم والمسطور لا يبعث بوحيه مجنوناً. ثم إن السورة كلها ستدور على «الكتاب» و«الحكم» و«العلم»؛ فسيأتي فيها {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} و{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}؛ فافتتاحها بالقلم والسطر تمهيد لهذا المحور: أنهم يحكمون بلا كتاب ولا علم، بينما جاء النبي ﷺ بكتاب مسطور.