إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
يبدأ ضرب المثل: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إنا اختبرنا هؤلاء المشركين من أهل مكة بالجوع والقحط كما اختبرنا أصحاب الجنة؛ وذكر عن أهل التأويل أن أصحاب الجنة قوم كانت لهم حديقة، وأن أباهم كان يترك للمساكين ما تخطئه المناجل ويترك لهم شيئاً معلوماً، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان أبونا يفعل ضاق علينا؛ فعزموا على منع المساكين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السابعة عشرة، على أن هذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من بعثة محمد ﷺ فقابلوا النعمة بالتكذيب. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن الجنة كانت بموضع من اليمن؛ ولم يقم على تعيينه دليل تطمئن إليه النفس. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة القلم، إلى أن إبهام القوم والزمان والمكان مقصود؛ لأن المقصود العبرة لا الخبر؛ فلو عُيّنوا لانصرف الذهن إلى التاريخ عن المغزى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ينتقل السياق من عقوبة الفرد الموصوف إلى ضرب مثل يعمّ الجماعة. ووجه الاتصال دقيق: فقد وُصف ذاك بأنه {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ}، وهذه قصة قوم منعوا الخير عن المساكين؛ فالمثل تصوير عملي لما تقدم مجملاً في الوصف. كما أن قوله {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} كان تعليلاً للطغيان بالمال؛ وقصة أصحاب الجنة برهان على أن المال لا يبقى لمن قطع عنه حق الله. وستمتد القصة إلى الآية الثانية والثلاثين، ثم يأتي التعقيب الجامع: {كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.