وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
هذه أرفع شهادة نالها بشر في كتاب الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. أورد الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، عن أهل التأويل أن المراد بالخلق العظيم الأدب الجميل الذي أدّبه الله به، وأنه دين الإسلام وما تضمّنه من مكارم الأخلاق. وروى بأسانيده عن ابن عباس وقتادة والحسن نحو ذلك. وثبت في الحديث الصحيح ما هو أصرح بيان لهذه الآية؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" في كتاب صلاة المسافرين، في باب جامع صلاة الليل، عن سعد بن هشام أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «كان خلقه القرآن». وروى البخاري في "صحيحه" في كتاب المناقب، ومسلم في "صحيحه" في فضائل النبي ﷺ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس خُلقاً». ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الرابعة من السورة، على أن معنى قول عائشة رضي الله عنها أنه ﷺ صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخُلقاً تطبّعه، وترك طبعه الجِبِلّي؛ فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، سُمّي خُلقاً لأنه يصير كالخِلقة فيه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة، إلى أن وصف الخلق بالعظم في مقام الرد على تهمة الجنون بلاغةٌ عالية؛ إذ الجنون اختلال في العقل يظهر أثره في السلوك، فالشهادة بكمال السلوك أبلغ في رد التهمة من مجرد نفيها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية غاية الترقي في مقطع الدفاع؛ فقد بدأ بنفي الجنون، ثم بإثبات الأجر، ثم بهذه الشهادة. ثم جاء بعدها {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ}؛ فوقعت الشهادة بالخلق العظيم بين تهمة سابقة ووعيد لاحق، فأدّت وظيفتين: إبطال التهمة، وتمهيد الحكم. ثم إن السورة ستعرض بعد قليل صورة الخصم في الآيات (10 - 13) بتسع صفات كلها من رذائل الأخلاق؛ فبين هذه الآية وتلك مقابلة مقصودة في النظم: خُلق عظيم واحد في جانب، وتسع رذائل مجتمعة في الجانب الآخر؛ فيتبين للسامع أيّ الفريقين أولى بالنقص.