إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
تنتقل الآية من المحاجّة إلى تقرير مرجع الحكم: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن حاد عن طريق الحق واتبع الباطل، وهو أعلم بمن اهتدى فسلك سبيل الرشاد؛ ففيه وعيد للمشركين وتسلية للنبي ﷺ. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السابعة، أن الله تعالى يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق الغواية، وأن هذا فصل للنزاع بردّ العلم إلى العليم. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن فيها جواباً لمن نازع في تعيين الضال، وأن العلم بالبواطن لله وحده. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة من سورة القلم، إلى أن ضمير الفصل {هُوَ} أفاد القصر؛ أي هو وحده الأعلم دون سواه، فلا عبرة بدعوى أحد من الفريقين. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن في الآية إثبات علم الله المحيط، وأن ذلك يستلزم عدله في الجزاء؛ إذ لا يُجازي إلا عن علم تام.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تختم هذه الآية مقطع الدفاع عن النبي ﷺ بتأصيل يقطع النزاع: فبعد أن عُرض السؤال {بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ} من غير جواب، جاء الجواب من جهة أخرى: العلم بذلك عند الله. ثم تتفرع عليها الآية التالية تفريعاً بالفاء: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ}؛ فلما تقرر أنهم الضالون في علم الله، تفرّع النهي عن طاعتهم. وهذا من دقيق النظم: مقدمة علمية يُبنى عليها حكم عملي.