عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ
تختم الأوصاف بصفتين هما أشدها: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {عُتُلٍّ} هو الغليظ الجافي الشديد في كفره؛ وروى عن ابن عباس أنه الشديد الخصومة، وعن الحسن أنه الفاحش اللئيم. وذكر في {زَنِيمٍ} أقوالاً: أنه الدَّعيّ الملصق بالقوم وليس منهم، وأنه المعروف بالشر كما تُعرف الشاة بزنمتها. وروى بأسانيده عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: هو رجل من قريش له زنمة كزنمة الشاة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة، على أن أشهر الأقوال في الزنيم أنه الدَّعيّ في النسب، وأن هذا الوصف ذُكر بعد ذكر أوصافه الفعلية ليكون كالخاتمة الفاضحة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {بَعْدَ ذَٰلِكَ} تفيد أن هذا الوصف زائد على ما تقدم، أي: مع كل ما ذُكر فهو أيضاً زنيم. وثبت في الصحيح ما يفسّر «العتلّ»؛ روى البخاري في "صحيحه" في كتاب التفسير ومسلم في "صحيحه" في كتاب الجنة وصفة نعيمها، عن حارثة بن وهب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍّ جوّاظ مستكبر».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكتمل بهذه الآية أوصاف الخصم، وتليها الآية التي تكشف عن العلة الحاملة له على ذلك: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ}، ثم بيان موقفه من الوحي: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، ثم الجزاء: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ}. فالنظم: أوصاف، فسبب، فموقف، فعقوبة. وقد جُعل {زَنِيمٍ} خاتمة الأوصاف مع كونه أخفّها من جهة الفعل؛ لأنه أشدها وقعاً في نفسه؛ فالطعن في النسب عند العرب أقسى من الطعن في الفعل، وقد ادّخر له في الخاتمة.