قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
يتكلم أعدلهم بعد فوات الأوان: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {أَوْسَطُهُمْ} هو أعدلهم وأفضلهم رأياً؛ وذكر عن مجاهد أنه أعدلهم، وعن قتادة أنه أمثلهم. وأن {لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} تحضيض على التسبيح؛ واختُلف في المراد به: فقيل: هلا تستثنون بمشيئة الله؛ لأن الاستثناء نوع من التسبيح؛ وقيل: هلا تنزهون الله وتشكرونه على ما أعطاكم؛ وقيل: هلا تصلّون. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين، على أن أشهر ما فُسّر به التسبيح هنا الاستثناء بمشيئة الله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الوسط في كلام العرب هو الخيار والأفضل؛ ومنه قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة القلم، إلى أن ذكر {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ} يدل على أنه كان قد نصحهم قبل وقوع الأمر؛ فالنص يفيد أن الحجة كانت قائمة عليهم من داخلهم لا من خارجهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية في موضع دقيق من القصة: بعد التسليم بالحرمان وقبل التسبيح والاعتراف. فهي حلقة الوصل بين الصدمة والتوبة. وفيها كشف عن أمر لم يُذكر من قبل: أن فيهم من نصح فلم يُسمع منه؛ وهذا يُكمل صورة القصة رجعياً. ويتصل التحضيض على التسبيح هنا بقوله في مطلع القصة: {وَلَا يَسْتَثْنُونَ}؛ فالذي عابه عليهم أوسطهم هو عين ما عابه القرآن عليهم؛ فتطابق حكم الناصح مع حكم الوحي.