وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ
وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ
تصوير لحالهم وهم يغدون: {وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى {حَرْدٍ}؛ فقيل: على قصد وقدرة في أنفسهم؛ وقيل: على منع؛ وقيل: على غضب؛ وقيل: على جدّ في أمرهم. ورجّح أن المعنى: وغدوا على قصد إلى جنتهم قادرين في ظنهم على صرم ثمرها ومنع المساكين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين، على أن {قَادِرِينَ} أي قادرين في زعمهم على ما عزموا عليه؛ وهم في الحقيقة عاجزون؛ إذ قد سبق القدر عزمهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الحَرْد» في اللغة له معانٍ: المنع، والقصد، والغضب؛ يقال: حرد حَرْداً إذا غضب، وحرد يحرد إذا قصد. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين من سورة القلم، إلى أن حال {قَادِرِينَ} من أشد المفارقات في القصة؛ إذ وصفهم بالقدرة في اللحظة التي فقدوا فيها كل شيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية خاتمة لمشهد الطريق قبل مشهد المعاينة؛ فقد وصفهم في الآيات السابقة بالتنادي والانطلاق والتخافت، ثم ختم وصف الطريق بحالهم النفسية: منع وقصد وغيظ وقدرة موهومة. ثم تأتي الصدمة في الآية التالية: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ}. فوقع الوصف بالقدرة مباشرة قبل انكشاف العجز؛ وهذا أشد ما يكون في بناء المفارقة. ويتصل ذلك بمحور السورة؛ إذ سبق وصف الخصم بأنه طغى لأنه {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ}؛ فالقدرة الموهومة هي عين ما أهلك أصحاب الجنة وما سيهلك المكذبين.