إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
مقابلة بالترغيب بعد الترهيب: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: إن للذين اتقوا الله فأدّوا فرائضه واجتنبوا معاصيه عند ربهم يوم القيامة بساتين النعيم. وذكر أن إضافة الجنات إلى النعيم لبيان أنها دار نعيم خالص لا يشوبه كدر. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين، على أن هذا إخبار عما أعدّه الله للمتقين من الكرامة في مقابل ما أعدّه للمجرمين. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {عِندَ رَبِّهِمْ} فيه تشريف عظيم؛ إذ نُسبت الجنات إلى كونها عنده سبحانه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين من سورة القلم، إلى أن ذكر جزاء المتقين هنا تمهيد للاستفهام الإنكاري الذي يليه؛ إذ لا يستقيم عند عاقل أن يتساوى هذا الفريق مع الآخر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد ذكر عذاب الدنيا والآخرة؛ فحصلت المقابلة التي هي عادة القرآن في عرض الجزاء. وهي أيضاً مقدمة لما بعدها؛ إذ يليها الاستفهام الإنكاري: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}. فوظيفتها في النظم مزدوجة: خاتمة لمقطع التخويف، ومقدمة لمقطع المحاجّة. ويتصل هذا بقصة أصحاب الجنة اتصالاً لطيفاً: فقد ذهبت «جنّتهم» في الدنيا لأنهم منعوا حق الله فيها، وهذه «جنات» باقية للمتقين الذين أدّوا حقه؛ فالمقابلة بين الجنتين قائمة على وفاء الحق ومنعه.