وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
بعد نفي النقص جاء إثبات الجزاء: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وإن لك يا محمد على ما تلقاه من أذاهم وصبرك على تبليغ رسالة ربك لثواباً غير مقطوع. وحكى في {مَمْنُونٍ} قولين لأهل التأويل: أحدهما أنه من المنّ بمعنى القطع، أي: غير مقطوع ولا منقوص؛ ورجّحه لدلالة اللغة؛ والثاني أنه من المنّة، أي: لا يُمنّ به عليك. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثالثة، أن المراد الأجر الجزيل على تبليغ الرسالة والصبر على الأذى، وأنه غير مقطوع ولا مكدَّر بمنّة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أصل «المنّ» القطع؛ يقال: مننتُ الحبل إذا قطعته؛ ومنه المنون للموت لأنه يقطع الأعمار. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة القلم، إلى أن ذكر الأجر بعد نفي الجنون علاج نفسي محكم؛ فإن من يُؤذى في عرضه يحتاج إلى ما يعوّضه، والتعويض الحق ما كان عند الله لا عند الناس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية حلقة وسطى في سلسلة الدفاع؛ فقد سبقها نفي التهمة، وستتلوها شهادة الخلق العظيم. وترتيبها في هذا الموضع دقيق؛ إذ الأذى يورث في النفس سؤالين: ألستُ متهماً بالباطل؟ وما الذي أجنيه من هذا العناء؟ فأجابت الآية الثانية عن الأول، وأجابت هذه عن الثاني، ثم جاءت الرابعة لترفع المقام إلى ما فوق الجواب. ويتصل هذا بخاتمة السورة أيضاً؛ إذ سيقال لهم فيما بعد: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}؛ فالنبي ﷺ لا يسألهم أجراً؛ وإنما أجره عند الله؛ فبين الآية الثالثة والآية السادسة والأربعين تقابل: أجرٌ ثابت عند الله، ومغرمٌ منفيّ عن الناس.