وَلَا يَسْتَثْنُونَ
وَلَا يَسْتَثْنُونَ
هذه هي الغفلة التي كانت مفتاح البلاء: {وَلَا يَسْتَثْنُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ولا يستثنون في قسمهم بمشيئة الله فيقولون: إن شاء الله؛ وذكر أن هذا قول جمهور أهل التأويل. وحكى قولاً آخر عن بعضهم: أن المعنى لا يستثنون حق المساكين من الثمر كما كان أبوهم يفعل؛ فالاستثناء على هذا إخراج نصيب الفقراء. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة، على أن الأشهر أنهم لم يقولوا «إن شاء الله». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، القولين، وأنهما متلازمان في المعنى؛ إذ الغفلة عن مشيئة الله والغفلة عن حقه في المال يجمعهما الاستغناء عن الله. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الاستثناء بمشيئة الله فيه إقرار بالعجز وردّ الأمر إلى القادر، وأن تركه إشعار بأن العبد يملك أمره؛ وهو غرور.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية حالاً مقيّدة للقسم المذكور في الآية قبلها؛ فبينهما ارتباط لا ينفكّ. وموقعها في النظم بالغ الدقة: فقد ذُكر عزمهم مؤكداً بثلاثة مؤكدات، ثم عُقّب مباشرة بأنهم لم يستثنوا؛ فكان هذا هو المفصل الذي تحوّل بعده الخبر إلى الآية التالية: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ}. فالفاء في {فَطَافَ} فاء ترتيب على ترك الاستثناء؛ فتبيّن أن السبب المباشر للعقوبة هو هذا الجزم المطلق.