فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
بعد تقرير أن الله أعلم بالفريقين جاء الحكم العملي: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فلا تطع يا محمد المكذبين بآيات الله فيما دعوك إليه من موافقتهم على ما هم عليه من الشرك؛ وذكر أن هذا نهي عن إجابتهم إلى شيء مما اقترحوه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثامنة، على أن الله نهى نبيه ﷺ عن طاعتهم مطلقاً؛ ثم فسّر ذلك بما بعده من بيان مرادهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، ما رُوي في سبب النزول من أن صناديد قريش دعوا النبي ﷺ إلى أن يترك عيب آلهتهم ويكفّوا عنه، وأن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة؛ فنزلت الآيات ناهية عن الركون إليهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة القلم، إلى أن النهي عن الطاعة هنا شامل لطاعة القول وطاعة الفعل وطاعة السكوت المفهم للرضا؛ فكل ما فيه إقرار لهم داخل في النهي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): الفاء في {فَلَا تُطِعِ} تفريعية؛ فلما تقرر في الآية السابقة أن الله وحده أعلم بالضال، لزم ألا يُطاع من هو ضال في علم الله. وهذه الآية مفتتح المقطع الثاني من السورة؛ إذ ينتقل الخطاب من الدفاع عن النبي ﷺ إلى تحصينه من المساومة. ثم تُفصّل الآية التالية مراد المكذبين: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}، ثم يُخصّ منهم بالنهي صنف موصوف بتسع صفات: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ} وما بعدها. فالنظم يسير من النهي المجمل إلى بيان علته إلى تعيين الموصوف.